الشيخ محمد الصادقي

103

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ترى كيف تمثّل الجنة التي وعد المتقون - في استفهام انكاري هكذا - ب كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ لا بالنار ؟ علّه لأن المتقين هم الجنة والطاغون هم النار ، جنة في جنة ونار في نار ، أو أن استفهام التماثل هنا يعم الجنة بالنار وأهل الجنة بأهل النار ، فذكرت الجنة أولا : مَثَلُ الْجَنَّةِ ولأنها من فضل اللّه ، ثم أهل الجنة الْمُتَّقُونَ إذ يدخلونها بفضل اللّه ، فهي هي الأصل وهم الفروع ، ثم ذكر أهل النار ثانيا كَمَنْ هُوَ خالِدٌ ثم النار : فِي النَّارِ لأنهم هم وقود النار وأصلها ، فالنار هي الفرع ! . وترى ما هذا الماء الحميم الذي يسقونه فيقطع أمعاءهم ولماذا يشربونه ؟ إنه الحار لدرجة الحمّة القمّة في الحرارة : أن لو كان حديدا لذاب سائلا ، وهو الصديد : « مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ » ( 14 : 16 ) يصد عنهم رمق الحياة وما هم بأموات ! وكالمهل : دردي الزيت المغلي : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 18 : 29 ) فكأنهم إذ يسقون الحميم الصديد مستغيثين من العطش المهلك ، يرون أنه ماء يخفف الوطئة فيشربونه ، أو لا يملكون لأنفسهم عنه صرفا فيتركونه ، ولو يكرهونه « 1 » ولكنه ماء في الظاهر وبلاء في الأثر : يشوي الوجوه إذ تواجهه ، ويقطع الأمعاء إذ يدخلها ! وهم بعد إذ قطّع الماء أمعاءهم يبدلون أمعاء غيرها ليذوقوا العذاب و لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها شيء : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها » ( 4 : 56 ) وهي جلود الأرواح : الأبدان بما ظهر منها وما بطن .

--> ( 1 ) . مجمع البيان روى أبو امامة عن النبي ( ص ) في قوله « وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ » قال : يقرب اليه فيكرهه فإذا دنى منه شوى وجهه ووقع فروة رأسه فإذا شرب قطع أمعائه حتى يخرج من دبره يقول اللّه عز وجل « وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ » .